عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
139
اللباب في علوم الكتاب
سواه ، والمشركون إذا اتّخذوا صنما ، ثم رأوا أحسن منه ، طرحوا الأوّل ، واختاروا الثّاني « 1 » قاله ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - . وقال قتادة : إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ، ويقبل على اللّه تعالى [ كما أخبر اللّه تعالى عنهم ، فقال : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت : 65 ] والمؤمن لا يعرض عن اللّه ] « 2 » في السّرّاء والضّرّاء ، والشّدّة والرّخاء ؛ وقال سعيد بن جبير « 3 » : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام : أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم ، فلا يدخلون ؛ لعلمهم أن عذاب جهنّم على الدوام ، ثم يقول للمؤمنين ، وهم بين أيدي الكفّار : إن كنتم أحبّائي فأدخلوا جهنّم فيقتحمون فيها ، فينادي مناد من تحت العرش « وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ » . وقيل : وإنّما قال : « وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ » ؛ لأنّ اللّه تبارك تعالى أحبّهم أوّلا ، ثم أحبّوه ، ومن شهد له المعبود بالمحبّة ، كانت محبته أتمّ ؛ قال اللّه تعالى : « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . فإن قيل : كيف يمكن أن تكون محبّة المؤمن للّه أشدّ مع أنّا نرى اليهود يأتون بطاعات شاقّة ، لا يأتي بمثلها أحد من المؤمنين ، ولا يأتون بها إلا للّه تعالى ، ثم يقتلون أنفسهم حبّا للّه ؟ والجواب من وجوه : أحدها : ما تقدّم من قول ابن عبّاس ، وقتادة ، وسعيد بن جبير . وثانيها : أنّ من أحب غيره رضي بقضائه ، فلا يتصرف في ملكه ، فأولئك الجهّال [ قتلوا أنفسهم بغير إذنه ، إنّما المؤمنون الذي يقتلون أنفسهم بإذنه ، وذلك في الجهاد ] « 4 » . وثالثها : أنّ الإنسان ، إذا ابتلي بالعذاب الشّديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرّبّ ، فالذي فعلوه باطل . ورابعها : أنّ المؤمنين يوحّدون ربّهم ، فمحبتهم مجتمعة لواحد ، والكفّار يعبدون مع الصنم أصناما ، فتنقص محبّة الواحد منهم ، أما الإله الواحد فتنضم محبّة الجمع إليه . قوله تعالى : « وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » جواب « لو » محذوف ، واختلف في تقديره ، ولا يظهر ذلك إلّا بعد ذكر القراءات الواردة في ألفاظ هذه الآية الكريمة . قرأ عامر « 5 » ونافع : « ولو ترى » بتاء الخطاب ، « أنّ القوّة » و « أنّ اللّه » بفتحهما . وقرأ ابن عامر : « إذ يرون » بضم الياء ، والباقون بفتحها .
--> ( 1 ) ينظر تفسير البغوي : 1 / 136 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر تفسير البغوي : 1 / 136 . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) ينظر في قراءات هذه الآية : المحرر الوجيز : 1 / 235 ، والبحر المحيط : 1 / 645 ، والدر المصون : 1 / 428 .